الشريف المرتضى
269
الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )
مسألة أخرى إن قال قائل - معترضا على ما اعتمدناه في دليلنا على صحّة الصّرفة ، حيث قلنا : إنّ القرآن لو كان خارقا للعادة بفصاحته لوجب أن يقع الفرق بين كلّ سورة منه وبين أفصح كلام العرب ، لكلّ من وقع له الفرق بين أعلى كلامهم في الفصاحة وأدونه ، ويكون الفرق بين القرآن وبين سائر الكلام ، إذا كان خارقا للعادة ، من المزيّة والفرق أكثر ممّا بين كلّ كلامين جرت بهما العادة - لم أنكرتم أن يكون ما أوجبتموه غير واجب ؟ لأنّ الفرق بين أفصح كلام العرب وأدونه وبين شعر امرئ القيس - من هو في أعلى الطّبقات - وشعر المقصّر من المحدثين ، إنّما ظهر على الحدّ الّذي ذكرتموه من حيث جمع بين ما لا فصاحة له - وإن كانت فيسيرة ضعيفة - إلى ما كثرت فصاحته وتناهت بلاغته ، فوقع الفرق على أقوى وجه الظّهور . وليس هذا سبيل للقرآن وما يضمّ إليه من أفصح كلام العرب ؛ لأنّ القرآن وإن بان من جميع ذلك وتقدّم في الفصاحة عليه بما يجاوز « 1 » العادة ويخرقها ، فإنّ الفرق لا يجب ظهوره في الأوّل ؛ لأنّ ما يصحّ [ نسبته ] إلى القرآن قد استبدّ برتبة في الفصاحة قويّة ومنزلة فيها رفيعة ، تقتضيان هذا اللّبس والاشتباه . ألا ترون أنّ أكثر النّاس يفرّقون بين ثوب القصب الّذي يساوي دينارا ، وبين ما يساوي عشرة دنانير ، ولا يفرّق بين الفصّ الزّجاج الّذي قيمته درهم وبين الفصّ الياقوت الّذي قيمته دينار إذا زالت عنهما وجوه التمويهات والتدليسات . وليس يفرّق هؤلاء بين كلّ ثوبين وكلّ فصّين كانت بينهما هذه القيمة ، بل ولا
--> ( 1 ) في الأصل : يجاوزه ، وما أثبتناه مناسب للسياق .